تقارير رشدتحليل استقصائي

موجة حرّ 2026: كيف تجاوزت أوروبا عتباتها الحرارية قبل الأوان؟

تتهاوى الأرقام الحرارية القياسية في أنحاء أوروبا قبيل الانقلاب الصيفي، مسجلةً أكثر من 1300 وفاة خلال أسبوع واحد. غير أن الرقم المجرّد وحده يخدع؛ وهنا يقرأ «رُشد» هذه الأرقام في سياقها التاريخي، ومؤشراتها على منطقة تسخن بوتيرة تقارب ضعف المعدل العالمي.

بقلم: تحرير رُشدنُشر في: ٢ يوليو ٢٠٢٦تحديث: ٨ يوليو ٢٠٢٦
موجة حرّ 2026: كيف تجاوزت أوروبا عتباتها الحرارية قبل الأوان؟
الصورة: Photograph: Dimitar Dilkoff/AFP/Getty Images

بدأت القصة في 24 مايو، حين لفحت أوروبا موجةُ حرٍّ مبكّرة بدت في حينها استثناءً عابراً، غير أنها لم تكن سوى مقدّمة. فما إن حلّ 17 يونيو حتى عادت الحرارة أشدّ وأوسع، تضرب القارّة من البرتغال غرباً إلى البلقان شرقاً، وتتخطى في طريقها أرقاماً ظنّ كثيرون أنها بعيدة المنال.

في 23 يونيو، سجّلت بلدة بيسوس جنوب غرب فرنسا 44.3 درجة مئوية، وهي من أعلى الدرجات التي شهدتها البلاد خلال الموجة. وفي اليوم التالي بلغ المؤشر الحراري الوطني الفرنسي أعلى مستوى ليومٍ واحد منذ بدء القياس عام 1947، متجاوزاً رقمَي يوليو 2019 وأغسطس 2003. ووفق هيئة «ميتيو-فرانس»، سُجّلت أرقام قياسية مطلقة في نحو 60% من محطات الرصد الموثوقة، بما يزيد على 250 رقماً. ولم تكن فرنسا وحدها؛ إذ رفعت إسبانيا والبرتغال تنبيهاتهما إلى المستوى الأحمر، واضطرت السلطات لإغلاق المدارس وحظر بيع الكحول في بعض المناطق الفرنسية تخفيفاً لمخاطر الجفاف على الأجسام المنهكة.

غير أن الحرّ لا يقتل بضجيج. يقتل بهدوء، في الغرف المغلقة، وبين المسنّين الذين يعيشون وحدهم. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أكثر من 1300 وفاة زائدة في أوروبا منذ 21 يونيو، وسجّلت فرنسا وحدها نحو ألف وفاة إضافية عن معدّلها الطبيعي، بلغت أكثر من 1400 في اليوم الواحد عند ذروة الموجة. وتبيّن أن 85% من الضحايا هم ممن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر، وقضوا جرّاء أمراض القلب والتنفّس التي يفاقمها الإجهاد الحراري، لا بضربة شمسٍ في الشارع؛ ولهذا يصف خبراء الصحة موجات الحرّ بأنها الكارثة الطبيعية الأشدّ فتكاً والأقلّ ظهوراً.

كيف تقارن بكوارث الماضي؟

العام

ذروة الحرارة

الوفيات

السياق التحريري

2003

نحو 47°م (البرتغال)

نحو 70,000

المرجع التاريخي للكارثة الأوروبية

2022

نحو 47°م (البرتغال)

61,672

أشدّ صيفٍ مسجَّل في تاريخ أوروبا

2026

44.3°م (بيسوس بفرنسا)

أكثر من 1,300 (حصيلة مرشحة للارتفاع)

معدلات قياسية سُجّلت مبكراً، قبيل الانقلاب الصيفي

وهنا تبرز المقارنة التي أغفلتها العناوين المتسرّعة. إذ تبدو حصيلة عام 2026، التي ناهزت 1300 وفاة، ضئيلةً أمام عشرات الآلاف المسجلة في صيفَي 2003 و2022، غير أن هذه المقارنة تظل مضللة؛ ففي حين تمثل حصيلة تلك الأعوام أرقاماً نهائية جُمعت على مدى صيف كامل واستغرقت دراستها الإحصائية أسابيع، فإن حصيلة عام 2026 تظل أولية ولا تغطي سوى أيام معدودة من موجة لم تنتهِ فصولها بعد.

بل يكمن الخطر الحقيقي في توقيت هذه القياسات الاستثنائية وشدتها، لا في مجرد عدّاد الوفيات؛ إذ سُجّلت هذه المعدلات القياسية في يونيو، قبيل الانقلاب الصيفي، لا في ذروة أغسطس كما جرت العادة. ويقلق علماءَ المناخ، أكثر من الرقم المجرّد، بلوغُ أوروبا هذه الحرارة الاستثنائية بهذه السرعة وفي هذا التوقيت المبكّر. ومع أن الرقم القياسي الأوروبي المطلق لا يزال 48.8 درجة (المسجّل في صقلية عام 2021)، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً: فالأرقام القياسية التي كانت تحتاج جيلاً كاملاً لتتخطاها القارة، باتت تتهاوى الآن كل بضع سنوات.

لماذا يحدث هذا؟

يربط علماء المناخ بين تواتر هذه الموجات والاحترار العالمي بثقةٍ متزايدة؛ إذ لم يعد السؤال يتمحور حول دور التغير المناخي، بل حول مدى مضاعفته لاحتمالية حدوث كل موجة وشدتها. وتُظهر دراسات الإسناد المناخي أن موجاتٍ كهذه باتت أكثر تواتراً وأعلى حرارةً بعدّة درجات عمّا كانت عليه قبل عصر التصنيع، حيث تحبس القبّة الحرارية الهواء الساخن فوق القارّة، بينما تزيد مياه المتوسط الأكثر دفئاً من طول الموجة ووطأتها.

أبعد من حصيلة الوفيات

لم يقتصر الثمن الباهظ للموجة على الأرواح فحسب؛ إذ اضطرت فرنسا إلى خفض إنتاج عددٍ من مفاعلاتها النووية وإيقاف بعضها، بعدما ارتفعت حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد فوق الحدّ المسموح. كما تراجع معدل إنتاجية العمّال في الحقول ومواقع العمل، تزامناً مع ارتفاع الطلب على الكهرباء خلال ذروة الضغط على الشبكات. أما المدن، بأسفلتها وخرسانتها، فتحوّلت إلى جزرٍ حرارية تظل ساخنة حتى بعد الغروب، ما يحرم سكّانها من راحة الليل التي يحتاجها الجسد ليتعافى.

Thomas Coex/AFP/Getty Images
الصورة: Thomas Coex/AFP/Getty Images

من المتاجر إلى البرلمان: الحرّ يتحوّل أزمةً سياسية

ما بدأ ظاهرةً مناخية صار اختباراً اجتماعياً وسياسياً. ففي فرنسا، تحوّل شراء مكيّف هواء إلى مشهدٍ يلخّص عمق الأزمة؛ إذ تدافع مئات المتسوّقين في 2 يوليو أمام فروع سلسلة «ليدل» في باريس وضواحيها، بعدما طرحت السلسلة نحو 200 ألف مكيّف ومروحة بأسعار تبدأ من 179 يورو، في سوق يندر فيها العثور على أجهزة تقلّ أسعارها عن 1200 يورو. وتدخّلت الشرطة في بعض الفروع لفضّ مشاجرات اندلعت هناك، في حين أظهرت مقاطع مصوّرة رفوفاً خلت من معروضاتها خلال دقائق معدودة. غير أن الحوادث الموثّقة، كما رصدت تغطية رُشد، تظلّ محصورة في فروع محدودة، وإن أوحت المشاهد المتداولة بوجود ظاهرة أوسع نطاقاً.

وفي البرلمان، قدّم نواب حزب الخضر اقتراحاً بحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو، احتجاجاً على طريقة إدارتها للموجة الحارة. ومع أنه يُرجّح ألا يحظى الاقتراح بالقبول لغياب تأييد بقية أطياف المعارضة، فإن دلالته تتجاوز نتيجته؛ إذ يثبت أن الحر لم يعد مجرد ملف بيئي، بل أضحى اختباراً لشرعية الحكومات. وفي هذا السياق، تداول نواب رقماً يزعم تسجيل عشرة آلاف وفاة، وهو ما لم تؤكده أي جهة رسمية، ما دفع لوكورنو لوصفه بأنه «فضيحة»، ليجسد ذلك كيف تنزلق الأرقام والبيانات من حيز الإحصاء إلى أتون السجال السياسي.

ولم تعد هذه الحصيلة مقتصرة على فرنسا؛ إذ كشفت منظومة رصد الوفيات الإسبانية أن شهر يونيو سجل 1029 وفاة مرتبطة بالحرارة، وهي الحصيلة الأعلى لهذا الشهر منذ بدء الرصد عام 2015، سُجّلت أكثر من 600 حالة منها خلال أسبوع الموجة وحده، في وقت صُنّف فيه هذا الشهر ثاني أحرّ يونيو في تاريخ القياسات الإسبانية بعد يونيو 2025. وفي ألمانيا، دعت نقابة «فيردي» إلى إضرابات تحذيرية في قطاع التجارة احتجاجاً على ظروف العمل القاسية تحت وطأة القيظ. وبينما تُحصي القارة الأوروبية خسائر موجتها الحارة الثانية، تترقّب بقلق موجة ثالثة محتملة.

وماذا يعني هذا للخليج؟

قد يبدو صيفٌ أوروبيّ حارق خبراً بعيداً عن قارئٍ خليجيّ اعتاد الأربعين وما فوقها، إلا أن المسافة الفاصلة تضيق سريعاً بالنظر إلى الواقع المناخي المتغير. فأبحاث المناخ تشير إلى أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يسخنان بوتيرةٍ تقارب ضعف المعدّل العالمي، وأن صيف المنطقة يتّجه نحو حرارةٍ قد تلامس حدود قدرة الجسم على الاحتمال في العقود المقبلة.

والفارق الأساسي يكمن في أن البنية التحتية لأوروبا تنهار أمام درجات حرارة نألفها نحن في حياتنا اليومية، إذ لم تُصمم مبانيها ومستشفياتها وشبكاتها لمقاومة مثل هذا المناخ القاسي، على النقيض من مدن الخليج التي أُسست هياكلها لتتعايش وتتكيف معه. ومن هنا فإن الدرس ليس في المقارنة بين الأرقام، بل في السؤال الذي تطرحه: إذا كان هذا ما تفعله 44 درجة بقارّةٍ غير مهيّأة، فماذا ينتظر مناطق تعيش أصلاً على حافة الاحتمال حين ترتفع درجتان أو ثلاث؟

لم يحصد صيف 2026 حتى الآن أرواحاً بمعدلات صيف 2003 الكارثية، لكنه يحمل نذيراً يتجاوز لغة الأرقام والعدّ، وهو تهاوي السقوف والعتبات الحرارية القياسية قبل أوانها، وعلى نطاق جغرافي أوسع. والحصيلة النهائية، كما يعلّمنا تاريخ هذه الموجات، تُعرف بعد أسابيع من انحسارها، لا في نشرات الأخبار العاجلة.

اقرأ أيضاً في رُشد

المصادر: منظمة الصحة العالمية، هيئة ميتيو-فرانس، نظام رصد الوفيات الإسباني، رويترز، الجزيرة، يورونيوز، فرانس24، NBC News، المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ورصد رُشد لأكثر من 12 مصدرًا.

آخر تحديث: 3 يوليو 2026. أُضيفت حصيلة إسبانيا والتداعيات الاجتماعية والسياسية في فرنسا.